قصة: شعر ذهبي - العدد الرابع

رأيتها صبية جميلة، بهية رقيقة ومنكسرة، ذات شعر ذهبي حريري، وعينين بلون السماء الصافية، لكنهما حزينتان، يملؤهما الأسى، والترقب والخوف من المجهول.
خفق قلبي لها بشدة واعتصره الأسى؛ ما بال الطفولة وقد امتلأت أسًى وحزنًا بدلًا من الفرح؟! ما بال الطفولة وقد سادها قلقٌ بدلًا من المرح؟!
صعِدَت ومعها أمها؛ امرأة أربعينية تشبهها كثيرًا، وإن كان الزمن قد التهم من جمالها الكثير... تُمسك بيد ابنتها وتضغطها بحنان تُهوِّن عليها شيئًا ما، والصغيرة زائغة النظرات، لا ترى شيئًا، تمسك بيدِ أُمها وكأنها طَوق نجاةٍ يَحميها مما تخافه. على العينين الصغيرتين طبقة كثيفة من دُموع حزن، وألم، وانكسار وخوف.
اقتربت منهما، كنت أريد أن أعرف، لا أدري لماذا كنت توّاقةً لمعرفة سر حزن هذه الصغيرة؟ كان الفضول يلتهمني بشدة...
اقتربت أكثر وأكثر، وحاولتُ استراقَ السمع إلى الحوار الهامس الدائر بينهما:
- لستِ الأولى بين إخوتك يا حبيبتي.
- لكنني لا أريد.
- نحن لا نعرف مِهنةً غيرها، فلسنا أغنياء يَحمينا المال، ولا أصحابَ علمٍ ليرفعنا العلمُ.
- أخاف أن تضربني أو تقسوَ عليّ.
- لقد أكدوا لي أنها شديدة الطيبة، وأنها ستعاملك كما لو كنتِ من أهل بيتها.
- لكني أريد أن أبقى معك يا أمي!
- سأراك في منتصف كل أسبوع، وستقضين نهايته معنا، والآن أريد أن أراكِ كما اعتدتُ منكِ؛ شجاعةً، قويةً، وأمينةً... أتفهمين يا صغيرتي؟
لم تَقْوَ صغيرتُها على الردِّ؛ فقد غلبَتْها دُموعُها الغزيرةُ، فهزتْ رأسَها الصغير، وأدارته لتبعدَ نظرها عن الوجهِ الحبيب الذي تخاف فراقه.
توقف "الترام" وهبطت... لدي العديد من المهام قبل عودتي للمنزل؛ كنت أريد شراءَ هديةٍ لوالدتي، ولعبًا لابنتي، وكتبًا لي.
تُرى هلِ اشترتْ لها أمُّها لعبًا ذات يوم؟ هل تُمارس مَن هي مثلها حقَّها في اللعب والمرح؟
لكني لم أستطع شراء أي شيء، كنت كلما التفتّ لشيء؛ رأيتها... ذات الملامح الجميلة الحزينة في وجوه الصغار من حولي، وفي واجهات المحال التجارية.
عُدت إلى منزلي شديدةَ الإنهاك، قابلتني صغيرتي واحتضنتي، فقبَّلتها، وتذكرت أن تلك الصغيرة لن ترى أمها كل يوم.
- أمي، لِمَ تأخرتِ كل هذا الوقت؟ إنّ جدتي تنتظرك هنا منذ فترة.
- حقًّا؟! وأين هي؟
- في غرفة المعيشة.
- أهلا أمي... كيف حالك؟
احتضنت أمي بشدة، وتذكرتها!
- لِمَ تأخرتِ يا عزيزتي؟ لقد جِئتك بالخادمة الجديدة، إنها فتاة ممتازة ومهذبة وأمينة.
- حقًّا يا أمي؟! إنني في أشد الحاجة إليها، فمنذ تزوَّجَت أمل وتركَتْنا وأنا أجاهد للتوفيق بين العمل والمنزل.
- ولاء، تعالي يا صغيرتي.
- وقدمت ولاء!!!
ورأيتها صبية جميلة، بهية رقيقة ومنكسرة، ذات شعر ذهبي حريري، وعينين بلون السماء الصافية، لكنهما حزينتان، يملؤهما الأسى، والترقب والخوف من المجهول!

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

تابعونا