كن صحابيا - العدد 1

جلس صاحبنا صاحب السبعة عشر عامًا في غرفته بعد رحلة كفاح في مراحل التعليم المختلفة، ما بين المرحلة الابتدائية، والمناهج الصعبة النظرية التي لا تُدرس لمراحل الثانوية في أوروبا، والإعدادية التي ليس لها أي علاقة بما درسه في الابتدائية، ثم الثانوية العامة، أو إن شئت قل عنها -كما يقول أهالينا-: سنة تحديد المصير، وبعد أن حقق المجموع الكبير، وتخطى كل هذه الصعوبات والألغام والمتفجرات.. جاءت اللحظةُ الفارقة التي يملأ فيها أوراق التنسيق، ويا لها من لحظة ينتظرها أغلب الطلاب!! فأخذ يُقبِّل الأوراق، ويقول: أين أنتِ؟! لقد كنت أبحث عنكِ من زماااااان... وبعد تفكير عميق في غرفته، وتردد كبير بين الكليات أيهما يضع رغبته الأولى... قرر أن يضع (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) كرغبة أولى. ولماذا بالذات هذه الكلية؟؟!! صاحبنا -دون تردد-: لكي أصبح سفيرًا. وبعد أن انتهى من وضع رغباته قرر أن يدخل على (Google) ليتعرف على أشهر وأعظم سفراء العالم؛ ليطالع سِيَرُهم الذاتية، لعله يتعلم من إنجازاتهم ومهاراتهم في التفاوض والإقناع، فبدأ بالبحث عن سفراء الدول الكبيرة؛ أمثال سفراء دول بريطانيا وألمانيا وفرنسا. وبينما هو يبحث بين هؤلاء: Michael Bock - Germany Watt Joined - UK Paganon - France وجد عنوانًا فيه اسمٌ ليس غريبًا عليه (مُصعب بن عُمير أول سفيرٍ في الإسلام)!! ما الذي أتى به بين هؤلاء؟؟!! فدفعه فضوله واستغرابه للتعرف كيف كان السفراء على عهد رسول الله؟! فوجد أن مُصعبًا كان شابًّا مثله نشأ في بيئة مشابهة لنفس البيئة التي نشأ فيها، فقد كان شابًّا وسيمًا غنيًّا مترفًا... كان أجمل وأنبغ من هؤلاء الذين يبحث بينهم! كان لا يمر من طريق إلا وعلم الناس أن مُصعبًا مر من هنا؛ لِما يجدونه من جمال عطره، وطيب رائحته... وفوجئ أن مصعبًا بلغتنا اليوم شابٌّ من شباب المناطق الراقية، يلبس أحسن الثياب من أفخم المحلات، وأشهر الماركات، ويضع أفضل أنواع البرفانات... ومع هذه النشأة المترفة قبل الإسلام كان من أزهد وأفضل الصحابة بعد الإسلام، فوجد نموذجًا فريدًا في كل شيء لا سيما ما نعانى في (2012) من العجز في التواصل مع الآخر، وإيجاد لغة للتحاور معه فضلًا عن مَلَكة التفاوض والإقناع... وهذا ما جعل رسول الله يُكلِّفه بأصعب وأشرف المهام على الإطلاق، وهي تهيئة المدينة ودعوة أهلها إلى الإسلام وتعليمهم الإيمان والقرآن، تمهيدًا لهجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وكان خير من اختار رسول الله لأداء هذه المهمة الصعبة، فكان مُصعب أول سفيرٍ في الإسلام. فوقف مبهورًا أمام أول مواقفه رضي الله عنه عندما أرسله رسول الله إلى المدينة، وجلس يتعلم من مُصعب كيف تكون فنون التأثير في الناس وإدارة الحوار مع المخالف، ومهارات التفاوض معه والإقناع التي تؤلف فيها كتب مهارات التواصل والتفاوض الآن. فيا ليت ستيفن كوفي وديل كارنيجي اطَّلعوا على سيرة مُصعب بن عمير. فعندما وضع كارنيجي اثنتي عشرة طريقة لكي تجذب الآخرين إلى وجهة نظرك؛ جعل أولها (لا تجادل)، ثم ذكر المقولة المأثورة "الرجل الذي أُرغِم على أن يعتقد ما ليس يعتقد لايزال على اعتقاده الأول!". فانظر ماذا فعل مُصعب من 1400 سنة لكي يجذب غير المسلمين إلى الإسلام في المدينة. فما إن وصل إلى المدينة حتى قابله سعد بن مُعاذ (سيد الأنصار) بالسيف والرمح، ويا له من استقبال!! فأراد أن يستخدم حقه في طرد السفير، فقال كلامًا واضحًا ليس بعده كلام "اعتزِلنا وكُفَّ عنَّا دعوتك إن كان لك بنفسك حاجة"، تهديد مباشر بالقتل. فما كان من مُصعب النابغة إلا أن استخدم معه سلاحًا أحدَّ من السيف، وأقطع من الرماح، وهو "ترك الجدل" مع أدب الحوار. فقال في هدوء وثقة فيما يدعو إليه: "أوَتجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته؛ كففنا عنك ما تكره". "أوَتجلس، فتسمع؟" كلمتان قالهما مُصعب وَضَعَ بهما أول قواعد "التفاوض الناجح"، وهي أن تجعل الآخر يسمعك، ولن يأتي هذا إلا بحُسن العرض وأدب الحوار (رحمة الله عليهما!). فقال سعد: "أنصفت"، فسلبه رمحه بأدبه وهدوئه وحُسن عرضه، وملك أذنه وعقله بترك الجدل يَضع فيهما ما يشاء. فجلس سعد أسيرًا لأدب الحوار وما أن قرأ عليه مُصعب القرآن وأخبره عن الإسلام، حتى أشرق وجهه وانشرح صدره للإيمان. فوعى صاحبنا الدرس جيدًا، وعلم أن رسول الله وأصحابه أول من علموا البشرية أن ترك الجدل وأدب الحوار هما السبيل الوحيدة للإقناع... فعذرًا كارنيجى؛ فقرر أن يكون صحابيًّا، مثاله وقدوته مُصعب بن عُمير، وعلم أن الجدل ما هو إلا وسيلة لخلق أعداء جُدد. فكان من أحب الناس إلى أصحابه وأنبغ طلاب جامعته وأكثرهم تفوقًا، حتى انتهى من دراسته وتخرج بتقدير عام "امتياز" ولكنه لم يُصبح سفيرًا طبعًا واشتغل مندوب مبيعات في شركة أدوية؛ لأنكم تعلمون جيدًا إن مفيش حد بيشتغل بشهادته! وصل الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم.

1 تعليق

  • DominicMug

    best place generic viagra
    Buy Levitra Online
    generic viagra online 50mg
    http://levitraclr.com/ - Buy Levitra Online
    ehealthpill cialis

    تبليغ
    أرفق DominicMug الأربعاء، 21 حزيران/يونيو 2017 12:42 تعليق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

تابعونا